لقد غدت نظريات شميت في السياسة والقانون، التي كانت ذات يوم بالغةَ التأثير، من المحرَّمات إلى حدٍّ كبير، ومُغيَّبةً عن المشهد في أوساط النخبة الفكرية الغربية المهذّبة، ظاهريًا على الأقل، طوال عقود. فما الذي، يفسّر هذا الانبعاث الفكري المفاجئ لشميت في أيامنا هذه؟ قد يبدو هذا التساؤل، لكثيرين، ضربًا من الغموض المتكلَّف، أو محضَ تدقيقٍ أكاديمي عقيم. وأؤكد لكم أنه ليس كذلك. فقد اكتشفتُ، بعد وقتٍ قصير، أن تطوّر أفكار شميت ومسار حياته نفسه يبدو وكأنه يخاطب مباشرةً القوى الكامنة تحت سطح الاضطرابات السياسية والثقافية والروحية التي تعصف بعصرنا الراهن، بعد نحو قرنٍ من زمنه. فمن التدهور المتخبط للشرعية الشعبية للدولة الليبرالية، إلى نشوء نمطٍ من الحكم يقوم على حالة طوارئ دائمة، ومن الاستقطاب السياسي المتطرف، إلى ولادة ما بعد الحداثة وهيمنة الهُوية؛ لقد رأى شميت جميع هذه الظواهر قبل أن تتبلور بوضوح ومدى تأثيرها على تكوين الرجل.

إن قراءة شميت بجدية هي مغازلةٌ للهاوية. فهي تعني، في آنٍ واحد، أن ترى حقائقَ قاسيةً وقد انكشفت أمامك، وأن تُصغي إلى همساتِ أفعى كاذبة. ومع ذلك  -أو لعل بسبب ذلك تحديدًا- أعتقد أن شميت يمثّل، حقًا، رجلًا رمزيًا للحظة الراهنة؛ وإن كان ربما لا بالطريقة التي تصوّرها بالضرورة، بعد أن أعاد اكتشافه المعجبون الجدد به، ولا بالطريقة التي طالما رآه بها خصومه، من اليمين واليسار على السواء لكن قراءة شميت تمنح القارئ ذلك الشعور الآسر بأنه قد فتح حوارًا خفيًا؛ حوارًا يتسم بالاستعداد لتشخيص التيارات الخفية التي تعصف، بوضوحٍ يكاد يكون فاضحًا، تحت سطح الفوضى والعبث، وبعد تشخيص أنصار ما بعد الليبرالية أمراضًا مستشرية في الليبرالية المعاصرة، لكنهم لم ينفذوا إلى العِلّة الحقيقية الكامنة وراء سخطنا.

«استعاضت الليبراليةُ عن ثنائيةِ الخير والشرّ بثنائيةٍ أرفعَ منزلةً في ظاهرها: النافع والضارّ.»

لعل كارل شميت كان من أشرس من التقط هذه الخديعة، لأنه نفذ إلى الصورة التي صنعتها الحداثة للإنسان عن نفسه. كان شميت يرى، وراء الواجهة القانونية الرصينة للدولة الليبرالية، إنسانًا يتضاءل حتى يصير فردًا محميًا بحقوقه، محاطًا بضماناتٍ لا تنتهي، متخمًا بإجراءات التفاوض والتسوية، لكنه يفقد شيئًا فشيئًا تلك القدرة القديمة والمخيفة على أن يقول: نعم، أو لا؛ أن يختار حين يصعب الاختيار، وأن يتحمل تبعات القرار دون أن يختبئ خلف حياد المؤسسات أو عذر الضرورة أو برودة النصوص.

فالإنسان الليبرالي، في صورته الشميتية، يريد عالمًا بلا خصومة نهائية، وبلا عدو حقيقي، وبلا تضحية قصوى؛ عالمًا يمكن فيه ردّ كل نزاع إلى مصلحة، وكل صراع إلى تفاوض، وكل مأساة إلى مادة قانونية، وكل تضاد إلى تسوية. إنه يريد أن يستبدل السياسة بالإدارة، والمصير بالإجراء، والسيادة بالتنظيم، والإرادة بالتوافق. لكن شميت، بكل قسوته، رأى أن ثمة شيئًا لا يمكن دفنه تحت هذه الأنقاض الناعمة: القرار. ففي اللحظة التي يصبح فيها وجود الجماعة أو بقاء النظام أو مصير الدولة مسألةً وجودية، لا تعود كثرة القوانين كافية؛ إذ لا بد من إرادةٍ تفصل، وسلطةٍ تحسم، وذاتٍ تتحمل مسؤولية أن تقول إن هذا هو الحد الفاصل، وإن ما بعده ليس استمرارًا للجدال لكنه دخول في منطقة المصير.

ومن هنا يصبح «خصاء» الرجل الحديث استعارةً تتجاوز الجسد إلى الميتافيزيقا السياسية. فالخصاء هنا هو تجريد للإرادة من قدرتها على إنتاج الفعل الحاسم؛ لا نعني به فقدان القوة، لكن تحويلها إلى شيء لا ضرورة لاستعماله. لقد صارت الحضارة الحديثة بارعةً في تدجين المخاطر حتى كادت تقنع الإنسان بأن الحياة نفسها يمكن أن تكون بلا مخاطرة، وأن الحرية يمكن أن تُختزل في كثرة الخيارات، وأن الرجولة يمكن أن تُختزل في الاستقلال الفردي والاستهلاك والقدرة على التملك.

وهكذا ظهر رجلٌ يملك أكثر مما امتلك أسلافه، لكنه يريد أقل مما أرادوا. رجلٌ تحرر من كثيرٍ من القيود القديمة، لكنه وجد نفسه، في المقابل، أسيرًا لقيدٍ أكثر نعومةً وأشد إحكامًا: أن تكون حياته قابلةً للتأمين والضبط، وأن يكون وجوده كله صالحًا لأن يُدار.

إن مأساة الرجل المعاصر، إذن، أنه صار أكثر براعةً في تبرير ضعفه وعجزه. لقد بلغ من العقلنة مبلغًا يستطيع معه أن يمنح عجزه ولا مبالاته وعدم تحمله للمسؤولية اسم الحكمة والتسامح. لم يعد يحتاج إلى خصمٍ يهزمه؛ يكفيه عالمٌ لا يطالبه بشيء.

ولذلك تبدو قراءة شميت اليوم أقل شبهًا باستعادة مفكر محافظ وأكثر شبهًا بتشريحٍ باردٍ لمرضٍ لم يتوقف عن الانتشار: ماذا يبقى من الإنسان حين تُمحى من وجوده ضرورةُ القرار؟ ماذا يبقى من الرجل حين لا يُطلب منه أن يقف في موضع الخطر، ولا أن يختار بين متعارضين، ولا أن يحمل تبعات اختياره، ولا أن يواجه عدوًا، ولا أن يضحي بشيءٍ لا يمكن تعويضه؟ ماذا يبقى من إرادته حين يصبح العالم كله آلةً ضخمةً لتجنيبه الألم، والمسؤولية، والفشل، والخسارة، والموت؟

«تتمثّل مهمّة الليبرالية في تمجيدِ أنماطِ وجودٍ تعمل على إفنائها، وإفناءِ أنماطِ وجودٍ تزعمُ أنها تُقيمها وتحميها.» * كارل شميت

لقد تخلى شميت نفسه أيضًا عن كل أملٍ في المتعالي، وعن كل تصورٍ للخير الأسمى أو للحقيقة العليا. وإذ استبدّ به اليأس أمام خواء المعنى في عالمٍ خلا من المقدّس، وأقام في موضعه صنمَ إلهٍ جديد: الدولة. غير أن غاية الدولة عند شميت، بخلاف هوبز، ليست في المقام الأول تحييد السياسي وإنهاء حرب الجميع ضد الجميع، ولا عبر استيعاب الفرد داخل كيانٍ آليٍّ عضوي. بل تتمثل غايتها الأعمق في إتاحة المجال لما افترضه شميت أشدّ حاجات الإنسان رسوخًا، وإضفاء صورةٍ مؤسسية عليها: العطش إلى المعنى، ذلك المعنى الذي يتولد من البنية الأولية للصراع السياسي بين الجماعات، أي من التمييز بين الصديق والعدو. وهذا التمييز، كما يلفت شميت، خالٍ تمامًا من أي مضمون محدد؛ فلا يهم لماذا يصارع المرء عدوَّه، ولا من أجل أي شيء يخوض الصراع، وإنما المهم هو أن يصارعه. فالمعنى لا يُعثر عليه في العالم إلا من خلال الوعي بهذا الوضع الوجودي للصراع، ومن خلال الانخراط والمشاركة فيه.

«كلُّ ما له قيمةٌ في الحياة الإنسانية لا يصدر عن الاستدلال العقلي؛ بل ينشأ في حالة الحرب، حيث يخوض الناس غمارَ الصراع، وقد حرّكتهم صورٌ أسطوريةٌ كبرى.»

ولعلّ مأزق شميت يبدأ هنا؛ فقد أصاب في تشخيص إنسانٍ أفرغته الليبرالية من رهبة القرار، لكنه لم يستطع أن يردّ إليه ما هو أعمق من القدرة على الحسم. إذ حين غاب المتعالي، لم يبقَ أمام الإرادة إلا أن تنصّب نفسها مرجعًا أخيرًا: إرادةٌ استردّت سلطانها، لكنها فقدت ما يمنح هذا السلطان شرعيته.